الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
184
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و السَّماءَ : هنا المطر ، ومن أسماء المطر السماء . وفي حديث « الموطأ » و « الصحيحين » عن زيد بن خالد الجهني : أنه قال : « صلى لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل » الحديث . وقال معاوية بن مالك بن جعفر : إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا والمدرار : الكثيرة الدّر والدّرور ، وهو السيلان ، يقال : درت السماء بالمطر ، وسماء مدرار . ومعنى ذلك : أن يتبع بعض الأمطار بعضا . ومدرار ، زنة مبالغة ، وهذا الوزن لا تلحقه علامة التأنيث إلّا نادرا كما في قول سهل بن مالك الفزاري : أصبح يهوى حرّة معطارة فلذلك لم تلحق التاء هنا مع أن اسم السماء مؤنث . والإرسال : مستعار للإيصال والإعطاء ، وتعديته ب عَلَيْكُمْ لأنه إيصال من علوّ كقوله : وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ [ الفيل : 3 ] . و ( أموال ) : جمع مال وهو يشمل كل مكسب يبذله المرء في اقتناء ما يحتاج إليه . والمراد بالجنات في قوله : وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ النخيل والأعناب ، لأن الجنات تحتاج إلى السقي . وإعادة فعل يجعل بعد واو العطف في قوله : وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً للتوكيد اهتماما بشأن المعطوف لأن الأنهار قوام الجنات وتسقي المزارع والأنعام . وفي هذا دلالة على أن اللّه يجازي عباده الصالحين بطيب العيش قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النحل : 97 ] وقال وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 96 ] وقال : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً [ الجنّ : 16 ] . [ 13 - 14 ] [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 13 إلى 14 ] ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ( 13 ) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ( 14 ) بدّل خطابه مع قومه من طريقة النصح والأمر إلى طريقة التوبيخ بقوله :